معد فیاض

لم يضع تغيير نظام صدام حسين في 2003 نهاية لحكم الحزب الواحد، حزب البعث، الذي سيطر على مقاليد الأمور لأكثر من 35 عاماً، وباستثناء الحكومة الانتقالية المشكلة في 3 أيار 2005 والتي ترأسها اياد علاوي، حتى تشكيل الحكومة المنتخبة في 20 أيار 2006 ، فإن الحكم استمر بأسلوب الحزب الواحد.

ووضع تشكيل الحكومة العراقية السادسة، بعد 2003، نهاية لحكم الحزب الواحد، أو الحزب الحاكم، ونعني هنا حزب الدعوة الذي شكل أربع حكومات متتالية، وحكومة تابعة له، حيث ترأس الأمين العام لحزب الدعوة، ابراهيم الجعفري، حكومة 2006، ليخلفه نائبه، نوري المالكي، الذي غدر وخان زعيمه الجعفري ليحتل هو منصب الأمين العام لحزب الدعوة، قبل أن يغتصب، بلا أية مسوغات دستورية أو أخلاقية، منصب رئيس الوزراء من اياد علاوي، الذي فاز في انتخابات 2010، ويبقى في منصبه لولاية ثانية، رافعاً شعار "ما ننطيها" ومؤكداً دكتاتورية الفرد والحزب.

وليؤكد المالكي دكتاتوريته وسياسة الحزب الحاكم، متأثراً بتجربة حزب البعث، استقتل بعد انتخابات ٢٠١٤ من أجل البقاء لولاية ثالثة خلافاً لكل مواد الدستور العراقي والمواثيق، لكن بقية القوى السياسية، خاصة الكوردية، وقفت في وجهه، وأصر زعيم الحزب الديموقراطي الكوردستاني، مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان وقتذاك، على عدم بقاء المالكي لولاية ثالثة.

ومع أن المالكي لم يتسلم منصب رئاسة الحكومة لولاية ثالثة إلا أن هذا لم يمنع من استمرار حزبه، الدعوة، في الحكم بعد أن نصب في الواجهة أحد قياييه، حيدر العبادي، رئيساً للوزراء وبقي (المالكي) الحاكم الفعلي من وراء الكواليس.

وحسب ايضاح أبرز قياديي حزب الدعوة، علي الأديب، الذي كان من المفترض أن يخلف الجعفري بزعامة الحزب، في حديث لي سابق معه، فإن "حزب الدعوة انتهج اسلوباً في قيادته وهو أن يتزعمه من يكون في المنصب الأعلى بالحكومة، أي رئيس الوزراء، ليتمكن من تنفيذ خطط وأجندات الحزب، لهذا تم انتخاب المالكي كأمين عام للدعوة"، لكن هذا الأمر لم يطبق مع العبادي عندما نُصب رئيساً للوزراء، إذ وقف المالكي الذي سيطر بقوة الاموال التي سرقها من الدولة خلال حكمه لولايتين، والنفوذ الأمني الميلشياوي، ضد أن يتزعم (العبادي) حزب الدعوة.

لقد حاز العبادي في بداية ولايته على تأييد شعبي وبرلماني يمكنه من إحداث تغييرات حقيقية، خاصة وأن مظاهرات احتجاج كبيرة انطلقت في جميع المحافظات الوسطى والجنوبية من أجل محاسبة الفاسدين وحصر السلاح بيد الدولة وايجاد فرص عمل للعاطلين.

وبدلاً من استغلال هذه الفرصة التاريخية، انتهج العبادي سياسة حزب الدعوة في المماطلة والتسويف واطلاق الوعود الكاذبة، وبدلاً من محاربة الفساد والفاسدين، والسيطرة على النشاط الارهابي الميلشياوي، وقف بوجه إقليم كوردستان وحكومته بسبب اجراء الاستفتاء على استقلال الاقليم الذي جرى في 25 ايلول 2017 ، بمشاركة 72% من سكان الاقليم الذين صوتوا بنسبة 92% لصالح الاستقلال، وهذا ما دفع برئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، العبادي، لمواجهة عسكرية بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة في كركوك.
كانت هناك، ايضاً، فرصة متاحة أمام العبادي للتحرر من عبودية حزب الدعوة وأن يكون رئيس وزراء العراق وليس تابعاً للمالكي ولحزبه، حيث طالبته الجماهير بالقيام بهذه الخطوة، لكنه خرج بخطاب بائس أعلن فيه عن "شعوره بالفخر لأنه أحد قياديي حزب الدعوة".

ومع أن عادل عبد المهدي، خامس رئيس وزراء بعد التغيير، لم يكن قيادياً أو عضواً في حزب الدعوة، لكنه خرج من عباءة الاسلام السياسي الشيعي، إذ كان قيادياً بارزاً في المجلس الاعلى الاسلامي، بعد ان كان شيوعياً وبعثياً، وقد خضع كلية لنفوذ المالكي وحزبه دون أي اعتراض، بل تعد فترة حكمه البائسة، والتي أنهتها مظاهرات ثورة تشرين، امتداداً عملياً لحكم وسيطرة الاسلام السياسي الشيعي من جهة، ولحزب الدعوة، من جهة ثانية.

ولم تفلح الضغوط التي مارسها المالكي وبعض احزاب الاسلام السياسي الشيعية على مصطفى الكاظمي خلال تشكيله الحكومة الجديدة، في إخضاعه لنفوذها وسيطرتها، وهذا ما فسره علانية اعتراض المالكي على تصويت البرلمان ومنح ثقة اعضائه لحكومة الكاظمي التي أنهت بالفعل سياسة الحزب الحاكم، ولأول مرة، في العراق منذ أكثر من خمسة عقود. فالكاظمي، العلماني، المديني، لم يخرج من عباءة الاسلام السياسي الشيعي، ولا من سرب أي حزب أو تيار اسلامي سياسي، بل وغرد خارج هذا السرب، لينهي وبدعم من الاحزاب المدنية، وفي مقدمتها الحزب الديموقراطي الكوردستاني، سيطرة المتأسلمين على حكم العراق.

معلومات إضافية

  • ألمصدر: الشفرة

الاكثر قراءةً قسم آراء

Error: No articles to display