دعا إليه الخبراء منذ أربعة عقود.. هل أصبح العمل عن بُعد خطرا على المكاتب؟

بعد أربعة عقود من تساؤل كبير الاقتصاديين في اللجنة الأميركية للتنمية الاقتصادية فرانك شيف، على أعمدة صحيفة "واشنطن بوست"، عن ما يمكن فعله لتشجيع فكرة العمل من المنزل، أصبحت أمامنا إجابة واضحة عن ذلك.

في تقرير نشره موقع "ذي كونفرزيشن" الأسترالي، اعتبر الكاتب أندرو والاس أن جائحة كورونا مثلت الفرصة المثلى للتحول نحو العمل عن بُعد مثلما توقع الخبراء منذ السبعينيات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية عصر العمل في المكاتب.

ويتعين على نموذج المكتب المفتوح أن يواكب التطورات الحالية حتى يتسنى له أن يحقق هدفه الأساسي باعتباره مساحة عمل جماعية يعززها العمل عن بُعد، ويحقق التكامل المطلوب مع العمل عن بُعد.

ثقافة مترسخة

مثلت الثقافة التنظيمية باستمرار القوة الدافعة التي تبقينا في المكاتب، وهو ما ذهب جاك نيلس، أحد أبرز المنظرين لفكرة العمل الإلكتروني في سبعينيات القرن الماضي.

ونشر نيلس مع زملائه في جامعة جنوب كاليفورنيا قبل ثلاثة عقود تقريرا بعنوان مفاضلة بين "الاتصالات والمواصلات: أفكار للمستقبل" تناول فيه فكرة العمل عن بُعد، لكنه خلص عام 2015 إلى أن "ما كان عليه الحال في عام 1974، لا يزال كذلك حتى يومنا هذا".

وفي مقاله بصحيفة واشنطن بوست عام 1979، حدد فرانك شيف ثلاثة اعتراضات رئيسية على العمل من المنزل، هي كيفية التأكد من جودة أداء الموظفين، أو ما إذا كانوا يعملون أساسا، وحاجة الموظفين للتواصل مع زملائهم، وتعدد مصادر الإلهاء في المنزل.

ودحض شيف تلك الاعتراضات، موضحا أن الخبراء اتفقوا على أنه من الأفضل قياس الأداء من خلال الإنتاج وتحقيق الأهداف، كما برهن على أن العمل في المكتب قد يكون أكثر إلهاء من العمل في المنزل.

ويرى الكاتب أن الوضع الذي نجم عن تفشي فيروس "كوفيد-19" جاء ليدعم نظريات أولئك الذين دافعوا عن فكرة العمل عن بُعد منذ عشرات السنين، حيث رحب بها معظم الموظفين والمديرين في الفترة الماضية وأكدوا أنهم استطاعوا تأدية مهامهم على أكمل وجه وعبروا عن رغبتهم في استمرار هذا الوضع بعد انتهاء أزمة كورونا.

التواصل المباشر

والحجة التي يصعب دحضها من بين حجج المعترضين على العمل عن بُعد، هو حاجة الموظفين للتواصل فيما بينهم بشكل مباشر ودوره الكبير في تعزيز منظومة العمل الجماعي.

وذكر الباحثان إيثان برنشتاين وبين وابر في مقال لهما بعنوان "الحقيقة حول المكاتب المفتوحة"، نُشر في مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019، أن "أحد أهم النتائج التي توصل إليها علم الاجتماع يتمثل في حقيقة أن القرب أو التقارب يعزز التفاعل الاجتماعي".

وأثبت وابر من خلال تجربة عملية، أن احتمالات التفاعل بين الموظفين في مكتب واحد -سواء أكان شخصيا أم إلكترونيا- تعتمد أساسا على المسافة التي تفصل بينهم.

أدى الاهتمام بتعزيز التعاون في بعض الأحيان إلى تجارب كارثية في مكان العمل. وكان أحدها المبنى الذي صممه فرانك جيري لوكالة إعلانات "شيات/داي" (Chiat/Day) أواخر الثمانينيات. وقد تصور رئيس الوكالة جاي شيات مقره كخطوة مستقبلية نحو "العمل المرن" لكن العمال كانوا يفتقرون إلى المساحات الشخصية.

وكان تصميم مقر أستوديوهات بيكسار للرسوم المتحركة -الذي افتتح عام 2000 وأشرف عليه ستيف جوبز، المساهم الأكبر والرئيس التنفيذي- على المشروع يرتكز بشدة على أشياء مثل جعل الحمامات قريبة من القاعة الرئيسية للمبنى. في هذا السياق، قال ستيف جوبز، "أردنا أن نجد طريقة لإجبار الناس على التلاقي، وخلق الكثير من اللقاءات العشوائية بين الناس".

وأشار الكاتب إلى أن بحث وابر وبرنشتاين أظهر أن النزعة قوية في مباني "الحرم الجامعي" المصممة لتعزيز "التفاعل عن طريق الصدفة". ويقول إنه بهدف تعزيز التفاعل، ينبغي أن يعمل العمال في الطابق ذاته".

بين المكتب والمنزل

يشير الكاتب إلى أن وباء "كوفيد-19" فرض قواعد جديدة في تصميم المكاتب بسبب سهولة انتشاره في الأماكن المغلقة لفترات طويلة.

في بريطانيا، أظهر بحث أجرته كلية لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة أن أماكن العمل هي أكثر البيئات التي تنتقل فيها العدوى بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاما.

ويؤكد الكاتب أن من القواعد الجديدة التي يجب على الجميع اتباعها في أماكن العمل، ارتداءَ الأقنعة وتعقيم الأسطح والأرضيات وتطهير الأيدي، إذ من المحتمل أن لمس أي مقبض أو زر قد يشكل خطرا على صحتك وصحة الآخرين.

مفاهيم جديدة في أماكن العمل

وبدأت شركات متعددة بتطبيق مفاهيم جديدة في أماكن العمل تراعي التطورات التي فرضتها أزمة "كوفيد-19″، ومنها فكرة "مكتب 6 أقدام" التي ترتكز حول ترك مساحة أكبر بين المكاتب ووضع الكثير من اللافتات الذي تذكر الموظفين بضرورة ترك المسافة المناسبة بينهم وبين زملائهم، ويتطلب ذلك بدوره أن يعمل بعض الموظفين خلال أيام معينة من منازلهم.

وسيكون من الضروري مستقبلا أن نجد المعادلة الأمثل بين ما يقدمه المكتب والمساحات المشتركة من مميزات، أهمها رؤية الزملاء والتواصل معهم، وبين المزايا التي يقدمها العمل عن بُعد.